 منار اليمن - عبد الملك الشرعبي التاريخ : 27-06-2009

تشتهر البيوت اليمنية باستخدام القمرية منذ آلاف السنين, وهي تمثل جزءا لا يمكن الاستغناء عنه في أي منزل فنقوشها الملونة وتشكيلاتها الزاهية تجعل منها لوحة آسرة تضفي جمالا على الفن الهندسي المعماري المتفرد بجمال نقوشه وتشكيلاته البديعة. وتشكل القمرية واجهة جمالية مزدوجة في المنزل غاية في الروعة والجمال, وهي تبدو كأقواس ملونة وخصوصا عندما تنساب الإضاءة من فتحاتها ذات الألوان المتعددة ما يجعل الجلوس في الداخل متعة تسر الناظر كما هو الحال للمشهد من الخارج. وقد أطلق عليها اسم (القمرية) نظرا لشفافيتها وصفائها اللذين يسمحان بدخول ضوء القمر إلى فراغ المبنى الداخلي, ويرى الباحثين أن سبب التسمية يرجع لبياضها الناصع الذي تتميز به لأن النور الذي ينفذ منها يكون أبيضا صافيا أشبه بضوء القمر, كما أن ألواح بعض النوافذ دائرية شبيهة بالقمر ليلة تمامه. ويرجع تاريخ استخدام القمرية إلى ما قبل 4000 عام كما يقول الباحث المهندس البريطاني تيم ماكنتوش سميث في دراسة علمية بعنوان "مباني صنعاء وموادها.. وثيقة من القرن الثامن عشر الميلادي" فيذكر "أن استخدام الرخام الشفاف كمادة تسمح بنفاذ ضوء الشمس الى داخل المبنى يرجع لعصر ملوك سبأ" مستدلا بتطابق وصف المؤرخين لقصر غمدان الملكي بصنعاء, وغرفته العليا الشبيهة بما يعرف اليوم المنظر أو المفرج أعلى منازل صنعاء حيث كانت الغرفة العليا لقصر غمدان كما يقول "سميث) مطبقة بقبة كأنها البيضة من الرخام المنضد بعضه إلى بعض, حتى يمكن للجالس في الغرفة تمييز الصقر من الحدأة لدقة نقائها وشفافيتها.
تطور وقد كانت القمرية في بداياتها الأولى عبارة عن عقد مقوس يمتد رأسيا بطول أكبر من الامتداد الأفقي وكان هذا الطوق يلف حول قطعة مرمرية أو رخامية بلورية تسمح بنفاذ أشعة الشمس والقمر إلى الداخل, ونظرا لمواكبة التطور العمراني فقد جرى الاستعاضة عن هذه المادة اليوم بالزجاج الملون دون أن يقضي ذلك على الطابع التقليدي للعمارة اليمنية الذي لا يمكن تصوره بغير القمرية ولو بهيئتها الحالية اليوم التي تعطيه رونقا وبعدا جماليا يميز المعمار اليمني بخصوصيته الفريدة. والقمرية تصنع اليوم كما في الماضي من الجص على شكل رسوم وأشكال متعددة مطرزة ومطعمة غابلا بالزجاج الملون, وبالرغم من تطور صناعة القمرية في الشكل والحجم والأغراض, إلا أنها لم تستغن عن الطراز العام والنقوش الداخلية للقمرية, وهي مادة الجص الأبيض الناتج عن حرق الحجر الجيري في محارق خاصة أعدت لهذا الغرض. يقول محمد شوعي, الذي ورث حرفة صنع القمريات عن والده: منذ أن عرفت نفسي لم أجد بيتا يمنيا واحدا بدون قمرية, وتختلف نوعيتها من غرفة إلى أخرى وعادة ما تكون الغرفة الأخيرة التي تطلق عليها اسم "المفرج" وغرفة استقبال الضيوف الأوفر حظا في اختيار النوعية الجيدة للقمرية وحجمها. ويضيف: حتى البيوت الحديثة لم تستغن عن القمريات بل إن أصحابها أكثر حرصا على انتقائها.
تزاوج وقد رافق تطور صناعة القمرية ظهور القمرية المزدوجة التي تصنع من قمريتين داخلية مطعمة بزجاج ملون وخارجية بالزجاج الأبيض وتفصلهما مسافة تتراوح بين (10-15) سم, مع حجب الرؤية إلى الداخل من الخارج. يقول خبير العمارة الإسلامية الدكتور السوري عفيف بهنسي (القمرية تسهم في تحقيق ميزة التلاحم بين العناصر الإبداعية الخارجية والداخلية في العمارة اليمنية) فالقمريات والفتحات والنوافذ توزع جمالها خارج وداخل المنزل, فيتمتع الساكن –أيضا- بالنور المتسرب من الفتحات عبر القمريات الزجاجية الملونة فيزداد داخل الغرف فتنة ويتمتع ساكن المدينة بسعادة التعايش مع نور الطبيعة الذي لامسته يد الفنان الصانع. وتعتمد هذه الصنعة على الموهبة والخيال أو الحس المرهف في إنتاج عمل فني دقيق يلبي حاجة الزبون ورغبته من ناحية النقوش والأشكال الزخرفية المتنوعة.
مراحل وتمر صناعة القمرية بعدة مراحل منها الحفر ( وهي أدق مرحلة في صنع القمرية) وتستغرق وقتا لإتمامها بالشكل والتصميم الهندسي المطلوب. صاحب أحد محلات القمريات (هناك العديد من الأشكال الهندسية لتصميم القمريات ومنها النجمة الثمانية والنجمة السداسية التي انتشرت لفترة من الزمن إثر اشتغال اليمنيين اليهود في صنع القمريات, وسنبلة القمح, وورقة البن والعنب, والريحان, وحبوب الرمان, وغيرها من النباتات). وعن طريقة تصنيع القمرية يقول:" يبدأ صنع القمرية بتشكيل عجينة نصف دائرية متماسكة من الجص بعد خلطه بالماء ثم نتركه حتى يتجمد لنقوم بصبه بعد ذلك على لوح خشبي يحوي مساحة القمرية, ثم نقوم برسم القمرية وتحديد شكلها الخارجي بآلة (الفرجار) وتأتي بعد ذلك عملية رسم الزخارف والنقوش باستخدام السكاكين والفرجار –أيضا-, ثم نقوم بعملية الحفر بواسطة الثقب الكهربائي لإظهار الزخارف, وبعد يومين إلى ثلاثة أيام نقوم بإبعاد القمرية عن اللوح الخشبي ونضعها على أرضية ناعمة, وتبدأ مرحلة تثبيت الزجاج تأتي بعد ذلك المرحلة الأخيرة وهي مرحلة النظافة بتنظيف بقايا طبقة الجص المثبت للزجاج لإظهار زخرفة القمرية في شكلها النهائي. وتتفاوت أسعار القمريات بحسب الحجم وشكل ونقوش ونوعية الزجاج المستخدم.. محمد صالح الروني أحد العاملين في هذه الصنعة التي اكتسبها من والده (يتوقف سعر القمرية على نوع النقش والحجم والزجاج المستخدم, الذي منه الهندي والألماني وهو أغلى وأجود أنواع الزجاج المستخدم في تزيين القمريات, كما أنه يتميز بدوام ألوانه مدى الحياة على عكس الزجاج الهندي الذي يفقد بريقه وتبهت ألوانه بالتدريج مع مضي الوقت. المصدر : الثورة السياحي 29 ربيع الأول 1430هـ الم |