 منار اليمن - علي ناصرالجلعي التاريخ : 23-02-2010
ضمن برنامجه الثقافي للعام 2010م أقام مركزدال للدراسات والانشطة ندوة فكرية ثقافية أسلامية للباحث والمفكرالدكتور/أحمدمحمدالدغشي أستاذأصول التربية المشارك بجامعة صنعاء تحت عنوان(إشكالية المرجعية في الفكرالاسلامي وقدم الدكتورالدغشي دراسة بحثية مستندة من مراجع فقيهية أسلامية نوردها كماوصلت من الباحث لأاهميتها
جدلية النص والفتوى (المعالم – الشروط – الحلول)
د أحمد محمد الدغشي – أستاذ أصول التربية الإسلامية المشارك – جامعة صنعاء
مقدّمة:
على الرغم من الاختلاف النظري لمدلول مصطلح (المرجعية) في الفكر الإسلامي بين الفرقتين الكبريين في العالم الإسلامي، وهم أهل السنّة والجماعة من جهة، والإمامية الجعفرية الإثني عشرية من الجهة الأخرى؛ حيث ينصرف في الأولى إلى النصوص (المعصومة) ممثلة في القرآن الكريم وصحيح السنّة المطهرة، على حين أنّه ينصرف عند الثانية إلى عصمة المرجعيات البشرية ممثلة في الأئمة الإثني عشر وفهمهم الخاص لنصوص القرآن الكريم والسنّة المطهرة؛ فإن الدراسة الحالية غير معنية بالمقارنة بين مفوم أو دلالات المرجعية لدى الفرقتين المشار إليهما، بل تتركّز على فحوى المرجعية في الفكر الإسلامي السنّي، نظراً إلى إمكان ضبط مساره النظري إلى حدّ كبير، بوصف الموجّه والهادي والحجّة الملزمة لدى أئمة هذه الفرقة وأتباعها هو الوحي الإلهي ممثلاً في الكتاب الكريم والسنّة المطهرة الصحيحة، هذا مع التأكيد على اتفاق الفرقتين على هذا المبدأ من حيث الأصل، وإنما الاختلاف بعد ذلك في يرد في منهج تأويل كل فرقة لنصوص الكتاب الكريم، ثمّ مفهوم السنّة، ومصادر تلّقيها ومناهج الاستدلال بها.
والحق أن إشكال المرجعية في الفكر الإسلامي قضية قديمة جديدة، باتت اليوم أكثر تعقيداً، نظراً لغياب الإسلام عن مواقع الفعل و التوجيه والسيادة . وقد كتب فيها كثيرون ، إما في إطار الدراسات الأصولية وإمّا أبحاثا مستقلة. ولهذا فإنه إذا كان ثمة جديد في هذه الدراسة فهو التركيز الواضح على آليات الفتوى المعاصرة، الفاصلة للنزاع بين ( الكهانة ) - التي صارت لفظا مشتركاً يتردد بين الأصدقاء والشانئين على حد سواء - مع اختلاف المقاصد بطبيعة الحال - وبين التخصص العلمي ، وذلك عبر إيراد المعالم الرئيسة للفتوى التي تغيب عند الممارسة – مع الأسف – في كثير من الأحيان ، والتذكير بأبرز ضوابطها ، مع محاولة تقديم تصور لمعالم الحلول المعاصرة .
إن المقصود بالمرجعية في هذا الدراسة الفتوى الشرعية من الجوانب المشار إليها آنفاً، إذ تحتل الفتوى أهمية بالغة في الفكر الإسلامي، فهي – في الأصل – توقيع عن الله وإخبار صادق أمين عن حكم الجليل – سبحانه – أو رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم في مسألة للشرع فيها قرار.
يقول ابن القيم "إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره هو أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهل له أهبته ، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه"(1).
ويقرر الشاطبي أن "المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم" كما أن المفتي "مخبر عن الله كالنبي، وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي ،نافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي"(2)، غير أن نفاذ أمره في الأمة ديني لا قضائي كما سيرد لاحقاً.
معالم رئيسة في الفتوى:
أولاً: تورع المفتي نظراً لما للفتوى من الأهمية والخطورة معا فلم ُينقل إلينا عن جمهور الراسخين من السلف تسرعهم في الفتوى، أو تهاونهم فيمن يتصدر للإخبار بحكم الشرع، خاصة إذا اقترن إلى ذلك إدعاء عريض بأنه هو للشرع لا فهم سواه.
حتى من عرف بإكثاره من الفتوى مع التأهيل وتواتر شروط الإفتاء في أضيق شروطها كسعيد بن المسيب – مثلاً – فإنه يتورع ويدعو ويخشى أن يزل أو يقول مالا ينبغي قوله، ولهذا كان سعيد لا يكاد يفتي ولا يقول شيئا إلا قال: "اللهم سلمني وسلم مني"(3)، هذا مع اشتهاره بالتوسع في الفتوى حتى كان يوصف بسعيد بن المسيب الجريء (4).
وهذا التواضع والورع يمثل السمت العام للمفتين من السلف ، وإليك هذه الطائفة من أقوال أئمة العلم ومحققيه:
يقول الإمام مالك بن أنس: "ربما وردت علي المسألة تمنعني من الطعام والشراب والنوم، فقيل له يا أبا عبد الله والله ما كلامك عند الناس إلا نقر في حجر، ما تقول شيئا إلا تلقوه منك" قال: "فمن أحق من يكون هكذا إلا من كان هكذا"(5).
وقال: "إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن"، وقال: "ربما وردت علي المسألة فأفكر فيها ليالي"، وكان إذا سئل عن المسألة قال للسائل: "انصرف حتى أنظر فيها، فينصرف ويردد فيها، فقيل له في ذلك، فبكى وقال: إني أخاف أن يكون لي من المسألة يوم وأي يوم.."(6) .
وقال الإمام أحمد : "من عرّض رض نفسه للفتيا فقد عرّضها لأمر عظيم، إلا أنه قد تلجئ الضرورة "(7).
وسئل الشعبي عن شيء فقال: "لا أدري" فقيل له: "ألا تستحي من قولك لا تدري، وأنت فقيه أهل العراق، فقال لكن الملائكة لم تستح حين قالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا"(8) .
وقال بعض أهل العلم: "تعلّم لا أدري، فإنك إن قلت لا أدري علّموك حتى تدري، وإن قلت أدري سألوك حتى لا تدري"(9).
وسئل الإمام الشافعي عن مسألة فسكت فقيل له: "ألا تجيب، فقال: حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجواب"(10).
وقال عقبة بن مسلم: "صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهراً، فكان كثيرا ما يأل فيقول: لا أدري"(11).
وكان هذا ديدن الصحابة – رضي الله عنهم – قال عبدالله بن المبارك: "حدثنا سفيان بن عطاء بن السائب عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أراه قال في المسجد، فما كان محدثاً إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا"(12).
ولنا أن نتوقف هنا هل كان ذلك التحرج لدى السلف الصالح في مسائل مصيرية من جنس ما يدور حوله الجدل اليوم؟ أم كان في مسائل عملية وأحكام فروعية جزئية؟ والجواب أنه كان من جنس المسائل العملية والأحكام الفروعية الجزئية – غالباً – فكيف لو كانت مسائل من قبيل الموقف من السلام مع اليهود، أو مشروعية دخول القوات الأجنبية أراضي المسلمين، أو إعلان الجهاد ضد طرف خارجي، وقد يعلن أحيانا ضد بعض القوى أو الأفراد الذين يعيشون في إطار المجتمع المسلم كما قد تصدر فتاوى باستباحة دم فرد أو أفراد أو طائفة تعيش داخل البلاد أو خارجها بوصفهم مرتدين خارجين عن الملة.
ثانياً: تخصص لا كهانة
لا شك أن علوم الشريعة ليست استثناء في أمر التخصص العلمي، فليس مقبولاً أن تحترم التخصصات جميعا عدا علوم الشريعة، وإلا فإنه يصبح من غير المنطقي الاهتمام بأقسام الدراسات الشرعية وفروعها، ناهيك عن الكليات والجامعات المتخصصة في هذه العلوم، إذا كان أمرها لا يستأهل تخصصا، وبإمكان كل أحد أن يغدو عالماً أو فقيهاً أو محدّثاً.. إلخ بالوراثة أو با لإلمامات الثقافية الأولية، أو العلوم اللدنيّة الخاصة ،أو المواهب الغنوصية أ و الأفكار الإشراقية والعرفانية المبعثرة ، ويصبح – وفقا لمنطق كهذا – لا فرق بين دارسي علوم الشريعة ونظرائهم من دارسي الطلب والهندسة والفيزياء وعلم النفس والجغرافيا..إلخ ولكن لا يصح أن يقال العكس!!
وذريعة ذلك كله ترديد مقولة أضحت ساذجة ترفع شعار "لا كهانة في الإسلام" ومع صحة هذه المقولة وصلاحيتها من حيث شعارها بيد أن سذاجتها - وربما خبث بعض مروجيها – يكمن في هذه العبثية التي لا تفرق بين (نكات جحا وفقه أبي حنيفة) إذا كانت علوم الشريعة غير جديرة بالتخصص، ويوسع كل من هب ودرج أن يفتي فيها وأن يرد على أهل الفقه والحديث والتفسير و التوحيد ، إذ لا كهانة في الإسلام. والحق أنه لا بد من فض النزاع المفتعل بين التخصص العلمي الذي يمثل شرطا أساسا ومؤهلا لا غنى عنه لدى كل من يحترم أصول البحث ومنطق المنهج في أي علم من العلوم، وبين الكهانة التي يرفضها منطق الإسلام وتأباها روح الشريعة ، حتى صار تميّز الإسلام بها من أهم المحامد، التي يفاخر بها أتباعه .
ثالثاً: رأي المفتي لا حكم الله أولى خطوات الفصل بين مسألتي الكهانة والتخصص التأكيد على أن المفتي إذ يقدّم ما يحسبه حكما للشرع في هذه المسألة أو تلك فإنه يقدم ذلك وفق ما يبدو له حكما للشرع لا أنه حكم الشرع يقينا أو مراد الشارع قطعاً أو أنه أصاب نفس الأمر المطلوب بالضرورة ، إلا في مسائل متناهية أو بإجماع يقيني ، على نزاع معروف بينهم حول حجية الإجماع (13)،أو بمتواتر يقيني معلوم من الدين بالضرورة ونحو ذلك.
ولذلك نجد أئمة الإسلام المحققين لا يسارعون إلى الجزم بأحكام الحل والحرمة عادة، بل يرددون ألفاظاً أخرى من مثل أرى، ويظهر لي، أحب، أكره، لا بأس بذلك ونحوها، ومن أمثلة ذلك:
ـ ما رواه الحافظ بن عبدالبر المالكي عن الربيع بن خثيم (كان من أفضل التابعين) أنه قال: (إياكم أن يقول الرجل لشيء إن الله حرم كذا أو نهى عنه، قال أو يقول: إن الله أحل هذا أو أمر به، فيقول كذبت لم أحله ولم آمر به)(14).
ـ وروى الشافعي عن القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة قال: "أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون الفتيا، أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، إلا ما كان بيّنا في كتاب الله عز وجل بينا بلا تفسير".
ـ وعن إبراهيم النخعي (من كبار فقهاء التابعين بالكوفة) أنه حدّث عن أصحابه: أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهو عنه قالوا هذا مكروه وهذا مالا بأس به، فإما أن تقول: "هذا حلال وهذا حرام فما أعظم هذا"(15).
ـ وقال ابن قيم الجوزية: "لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحل كذا أو حرمه أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نعى الله ورسوله على إباحته، أو تحريمه، أو بإباحته، أو كراهته أما ما وجوه في كتابه الذي تلقاه عمن قله دينه فليس له أن يشهد على الله ورسوله به ويفر الناس بذلك ولا علم له بحكم الله ورسوله.
قال غير واحد من السلف ليحذر أحدكم أن يقول: "أحل كذا أو حرم الله كذا، فيقول له: كذبت لم أحل كذا ولم أحرمه" (16).
ـ وروى ابن القيم أن شيخه أحمد بن تيمية قال: "حضرت مجلساً فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر (أحد فقهاء الحنفية) فقلت له ما هذه الحكومة؟ فقال : هذا حكم الله فقلت له : صار قول زفر هو حكم الله الذي حكم به وألزم به الأمة ؟ قل هذا حكم زفر ولا تقل هذا حكم الله ، أو نحو هذا من الكلام" (17).
ـ وكان مالك بن أنس يقول: "لم يكن من أمر الناس، ولا من مضى من سلفنا الذين يقتدى بهم ولكن يقول أنا أكره كذا وأحب كذا وأما حلال وحرام فهو الافتراء على الله أما سمعت قول الله تعالى: "قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً.." (يونس 59) لأن الحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرماه" (18).
وكان مالك يقول في بعض ما كان ينزل به فيسأل عنه فيجتهد فيه: "إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين"(19).
وقد لخص ابن القيم هذه المعاني في قوله: "والمقصود أن الله سبحانه حرم القول عليه بلا علم في أسمائه وصفاته، وأفعاله وأحكامه، والمفتي يخبر عن الله عز وجل، وعن دينه ، فإن لم يكن خبره مطابقاً لما شرعه كان قائلا عليه بلا علم، ولكن إذا اجتهد واستفرغ وسعه في معرفة الحق وأخطأ لم يلحقه الوعيد، وعفي له عما أخطأ به وأثيب على اجتهاده ولكن لا يجوز أن يقول لما أداه إليه اجتهاده، ولم يظفر فيه بنص عن الله ورسوله، إن الله حرم كذا، وأوجب كذا وأباح كذا وأن هذا هو حكم الله "(20). والمراد بالنص هنا النص القطعي في وروده ودلالته، وليس مجرد نص صحيح يحمل من الأوجه ما يجعل المختلفين من المجتهدين يتعلق كل واحد منهم بوجه من وجوه دلالته .ثم إن كلام الإمام ابن القيم المتقدم عنه وعن شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره يؤكد هذا المعنى بوضوح.
وقد عبّر الأصوليون عن هذا الموضوع بقولهم: "لا ينكر المختلف فيه وإنما ينكر المجمع عليه"(21) ، وبقولهم: "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد"(22) .
ولنا أن نتساءل عن مستند هؤلاء الأئمة والمحققين من العلماء في القديم والحديث هل أطلقوا أحكامهم سالفة الذكر عن مسلك في الفتوى يخصهم ؟ أم عن حب في عدم القطع برأي غير صريح فحسب؟
الحق أنهم قد استندوا إلى آيات بينات من مثل استشهاد مالك بقول الله تعالى: "قل أرأيتم ما أنزل الله من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً.." (يونس 59)، وقوله سبحانه: "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله". (الشورى 21) وقوله – جل وعلا – "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب، هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون" (النحل 116).
ثم إن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قد ميّز بين حكم القائد والعالم وبين حكم الله في مثل قوله: "... وإنك إن حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على رأيك فإن لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا "(23)
كما أنكر عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ على الكاتب الذي كان كتب بين يديه كتاباً حكم به عمر ثم قال " هذا ما أراه الله أمير المؤمنين عمر "فقال :" لا تقل هكذا ، ولكن قل هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر "(24) .
ولكن قد يقال - نظراً للضعف الفقهي العام - : مراد هؤلاء الأئمة الأثبات غير ظاهر، فما يزال الفقهاء يلقون أحكام الحل والحرمة بلا تردد ، إذا ما تبين لهم صحة الدليل فكيف يقال هذا اليوم ؟ بل إن بعضهم قد يسفّ في ظنه إلى حد اتهام قائل هذا القول ـ أي التروّي وعدم القطع بصورة عامة - بأنه اتجاه العقلانيين الجدد الذين يضاهون الكتاب الكريم والسنة المهرة بأهوائهم .
والحق أن في بعض ما ورد عن أولئك الأئمة ما يشعر بانحراف في مسار الفتوى بدأ منذ وقت مبكر ، فإذا كان ابن وهب يروي عن الإمام مالك بن أنس قوله : " لم يكن من أمر الناس ( الصحابة ) ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحداً اقتدي به يقول في شئ هذا حلال وهذا حرام ، ما كانوا يجترئون على ذلك ، وإنما كانوا يقولون نكره كذا ونرى هذا حسناً ، ينبغي هذا ولا نرى هذا " (25).
وظاهرٌ مفهوم المخالفة في هذه الرواية عن مالك إذ إن هذا الاجتراء في الفتوى والقطع بالحلال والحرام إنما هو أمر مبتدع ليس عليه الصحابة الكرام أو السلف الصالح الراسخون . وفي هذا يقول ابن القيم تعليقاً على ما سبق من قول مالك : "قلت : قد غلط كثير من المتأخرين من الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك ، حيث تورّع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم وأطلقوا لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى ، وهذا كثير جداً في تصرفاتهم فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة . وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكره ولا أقول: هو حرام ومذهبه تحريمه ... " (62). ونقل عن جملة من أتباع الأئمة إطلاق لفظ التحريم على ما عبر عنه أئمتهم بلفظ الكراهة أو عدم الحب، أو الإعجاب وهو ما يفيد أن بعض أولئك الأئمة قد يعتقد التحريم ولكنه لا يسارع إلى الجزم بذلك لعدم وجود دليل يقيني خال من المعارضة أو الاشتباه (27).
إن بعضهم قد يعبر عن التحريم بالكراهة استنادا إلى الأصل الذي وضع له في القرآن الكريم والسنة المطهرة قبل أن يصطلح الفقهاء على معادن أخرى له(28).
رابعاً: لا إلزام في الفتوى
وثاني الملمحين الرئيسين في مسألة الفتوى والتفريق بينها وبين الكهانة إدراك أن لا إلزام في فتوى المفتي بخلاف حكم القاضي، ومن ثم فرغم الأهيمة البالغة التي تحتلها الفتوى إلا أن ذلك من زاوية الديانة لا القضاء ،ولهذا فليس للمفتي سوى القيام بإبلاغ ما يظهر له حكما للشرع في أي من المسائل التي يعرض لها، أو يسأل عنها أما أمر الإلزام فذلك شأن الحكم القضائي ليس أكثر. يقول ابن تيمية: "وما يجوز أن يحكم به الحاكم يجوز أن يفتى به المفتي بالإجماع بل الفتيا أيسر، فإن الحاكم يلزم ، والمفتي لا يلزم"(29). كما أشار ابن تيمية إلى أنه قد وقع النزاع في مسائل الفرائض والطلاق فيرى عمر بن الخطاب "رأيا ويرى علي بن أبي طالب رأيا ويرى عبدالله بن مسعود رأيا ويرى زيد بن ثابت رأيا فلم يلزم أحدا (أي عمر)، أن يأخذ بقوله، بل كل منهم يفتي بقوله، وعمر- رضي الله عنه- إمام الأمة كلها وأعلمهم وأدينهم وأفضلهم فكيف يكون واحد من الحكام خيرا من عمر؟ هذا إذا كان قد حكم في مسألة اجتهاد
(30) .
ويقول الشاطبي: "فإن المفتي قد أقامه مقام المستفتي مقام الحاكم نفسه إلا أنه لا يلزمه المفتي ما أفتاه به"(31).
كما أورد ابن القيم في - معرض الإقرار والاستشهاد عن الفرق بين المفتي والقاضي – عن بعض العلماء قوله " المفتي أقرب إلى السلامة من القاضي ،لأنه لا يلزم بفتواه، وإنما يخبر بها من استفتاه فإن شاء قبل قوله، وإن شاء تركه، وأما القاضي فإنه يلزم بقوله، فيشترك هو والمفتي في الإخبار عن الحكم، ويتميز القاضي بالإلزام والقضاء" (32).
خامساً: الخلاف إثراء ورحمة
مع أن الأصل هو الوحدة والاتفاق ولكنه لا مندوحة عن الخلاف، وقد يكون في ذلك ثراء للآراء، ورحمة بالأمة، ولا يصبح شرا إلا حين يستبد أحد الأطراف برأيه، أ ويصادر حق غيره في الخلاف معه.أو حين يكون سببا لبلبلة الرأي العام وإثارة الجدل المرضي العقيم.
ولعل إثارة الجدل حين ينبغي أن لا يثأر هو دافع عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- حين استرجع (قال: إنا لله وإنا إليه راجعون)، بعد أن صلى الصحابي عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بمِنىً متمَاً من غير قصر(33)، وفي بعض الروايات قال: "الخلاف شر" وبعضها: "إني لأكره الخلاف" وكان أتم الصلاة كما فعل عثمان" (34).
ولكن لنتأمل – من جانب آخر – فإن ذلك لم يحمله على الفتيا برأيه حتى لو خالف السواد الأعظم وإمامهم لاعقاده بصواب ما عنده، وخطأ ما عليه غيره، بل تنازل عن رأيه في سبيل الوحدة والجماعة، وعد رأيه – رغم رجاحته عنده – لا يبيح له اتهام مخالفيه بتجاوز النصوص الصحيحة الصريحة ومنطوق السنة العملية وما درج عليه خليفتان راشدان من قبل ، ولا ننس أن حجة ابن مسعود قوية وشاهدة بيّن.
وهكذا ينبغي أن يغدو الخلاف بين العلماء والمفتين سبيلا إلى مزيد من تعميق الأخوة، وإذا تعارض أي رأي مع وحدة المسلمين أو كان سبيلا لتهديدها بأي معنى فإنه يغدو مرجوحا عمليا حتى لو كان راجحا على المستوى النظري.
إن الخلاف عند سلقنا الصالح نعمة عزيزة من الله بعباده فهذا الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز يردد: "ما يسرني أن لي باختلافهم (أي الصحابة) حمر النعم" ،قال القاسم بن محمد (أحد الفقهاء السبعة بالمدينة): "لقد أعجبني قول عمر بن عبدالعزيز: ما أحب أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يختلفوا ، لأنه لو كان قولا واحد كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة"(35).
وقال القاسم أيضا: "لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم - في أعمالهم ،لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى خيرا منه قد عمله"(3).
وقال سحنون بن سعيد (صاحب المدونة المعتمدة عند المالكية): "أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم، يظن أن الحق كله فيه"(37) ،وقال: "إني لأحفظ مسائل فيها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب قبل الخبر، فلم ألام على حبس الجواب ؟"(38).
وقال أيوب السختياني: "أجرأ الناس على الفتيا: أقلهم علما باختلاف العلماء، وأمسك الناس على الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء" (39).
وعدّ الإمام أحمد بن حنبل المعرفة بأقوال الفقهاء والمجتهدين شرطا في حق المفتي، وقال ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم وإلا فلا يفتي" (40).
وعلى هذا فإذا اختلف المفتون المؤهلون فإن الواجب إحسان الظن بهم جميعا من حيث الأصل، بصرف النظر عما إذا كان رأي أيّ منهم راجحا أو مرجوحا، خطأ أو صوابا، فهذه مسالة أخرى شائكة في الفكر الإسلامي، تعرف بتعدد الحق في المسألة الواحدة وهل يمكن أن يقع؟
وقد انقسم المحققون فيها إلى فريقين، عرف الأول بالمصوّبة، وهم الذين يردون أن كل من استفرغ وسعه في سبيل الوصول إلى حكم الله فيها مصيب وإن لم يصب نفس الأمر ومراد الله ،والفريق الآخر يرى أن الحق واحد لا يتعدد، وقد عرف هذا الفريق بالمخطّئة،وا لإمام الغزالي (ت/505هـ) مع الفريق الأول، حيث يعدّ كل مجتهد في الظنيات مصيبا، وهذا بيّن في قوله: "والمختار عندنا وهو الذي نقطع به ونخطّئ به المخالف فيه، أن كل مجتهد في الظنيات مصيب وأنها ليست فيها حكم معين لله تعالى "(41).
وهنا لا حرج أن يرد بعضهم على بعض في إطار أدب الاختلاف وإعذار كل فريق للآخر، حتى لو رأى بعضهم حل مسألة ورأى الآخر حرمتها. فقد قال يحيى بن سعيد: "ما برح المستفتون يستفتون فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحلل هلك لتحليله ولا يرى المحلل أن المحرم هلك لتحريمه" (42).
وعلى هذا نصّ الأصوليون على عدم الإنكار في المختلف فيه، وإنما الإنكار في المتفق عليه وأن الاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله – كما تقدم – كما وأن من شروط إنكار المنكر والاحتساب فيه: "أن يكون كونه منكرا معلوما بغير اجتهاد، فكل ما هو في محل الاجتهاد فلا حسبة فيه، فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله الضب والضبع، ومتروك التسمية ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه النبيذ الذي ليس بمسكر، وتناوله ميراث ذوي الأرحام، وجلوسه في دار أخذها بشفعة الجوار، إلى غير ذلك من مجاري الاجتهاد"(43).
وليس المقصود من عدم الإنكار عدم جواز النقاش وإظهار ما يعتقده المجتهد راجحا ولكن المقصود عدم إلزام المجتهد المخالف برأي مجتهد مثله في مسألة يشتد فيها النزاع، ولكل طرف دليله ومستنده .وعلى هذا تحمل القاعدة الأصولية الشهيرة : "ما تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال" ، هذا مع التأكيد بأن ليس كل مسألة جرى أو يجري حولها خلاف يعني أنها من مسائل الاجتهاد المسوّغ ،فليس ذلك مقصودا هنا بالضرورة وإلا لضاعت الحقيقة،وفقد الدين سلطانه ، والشريعة مرجعيتها" (44).
سادساً: التشدد ليس دليلا على الورع
مع أن الشريعة قائمة على التوسط والاعتدال واليسر ، ومع أن نصوص الوحي قد جاءت بالتبشير ناهية عن التنفير ، مغالبة لمن رام أن يشادّ هذا الدين، حاكمة على المغالين المتنطعين بالهلاك ، وهذا مبسوط في موضعه؛ إلا أنه قد انقدح في أذهان بعض من لاحظ له من التحقيق ، حتى من المنتسبين إلى العلم الشرعي – فضلا عن الرعاع - أن المفتي المتشدد هو الأورع والأعلم، فحيث يكثر أحدهم من ألفاظ الحرام، وعدم الجواز، والمخالفة لهدي الكتاب والسنة وترديد مقولات النبز بالبدعة والرمي بالتضليل والإكثار من التفسيق وربما الانزلاق إلى التكفير.. إلخ، فذلك دليل الفقه والعلم والورع!!
أما من تحوط لفتواه بألفاظ الكراهة والتقيّد بالرأي الشخصي والتشديد على أنه رأيه لا يلزم غيره وإن التزم به لنفسه ونحو ذلك مما يوحي بالورع وخشية القول على الله بلا علم كما فعل سلفنا الصالح ورووا ذلك كابرا عن كابر، وخلفا عن سلف، فذلك في نظر ذوي التشدد أمارة الضعف العلمي، وضحالة الفقه ، وقلة الورع والدين، ومن ثم فليس أهلا للفتوى، ولا يجوز له القيام بهذه المهمة ،حتى لو اضطر إليها ناهيك، عن أن يتصدر لها، أو يزاحم ذوي التشدد في الفتوى مكانتهم.
والآن للمرء أن يتساءل مندهشا: هل المسألة بالادعاء؟ أم الجرأة على الفتوى التي عدّها سلفنا من سمات "أهل النار" سمة ورع تقوى؟ أم التآلي على الله، ؟ والجزم بأن رأي المفتي المتشدد أو الآخذ بالعزيمة حسب اجتهاده وحده هو حكم الله الذي لا حكم له غيره آية التضلع والرسوخ، والخشية؟
إننا هنا لا نعيب رأيا قال به إمام أو عالم أو فقيه في القديم والحديث أيا ما كان مخالفا لوجهة أخرى ينظر إليها من قبل البعض على أنها الوجه الأصوب والأقوم والأرشد ، فكما وجد في الصحابة - رضوان الله عليهم - من اشتهر بالأخذ بفقه العزائم كابن عمر، فقد وجد من اشتهر بفقه الرخص كابن عباس ، ولم يعرف بينهما أو أتباعهما نبزا أو اتهاما من طرف لآخر أو تبادلا مشتركا من قبيل ما يروج اليوم بين فصائل العمل الإسلامي وبعض رموزه . هذا مع أن روح الشريعة ومقصد الدين قائم على التيسير – كما لا يخفى – وأكثر من ذلك أنه لم يؤثر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعا لابن عمر في الفقه و التأويل ، كما دعا لابن عباس بذلك ، ومع هذا لم يعرف عن ابن عباس ادعاء باحتكار الصواب أو زعم بمزية تمنحه الحق في قول كلمة الفصل في هذه المسألة أو تلك مما كانت مشتهرة بالنزاع بين الصحابة وتابعيهم.
واليوم يتبارى بعض من يتصدر للفتوى بثلب وتجريح أئمة وفقها معاصرين لا يشق لهم غبار كالإمام يوسف القرضاوي – على سبيل المثال – بدعوى أنهم مائعون في فتاواهم، غير محققين في فقههم لمجرد أنهم لا يشاركون أولئك بعض فتاواهم الخاصة بل الشاذة أحيانا، وبالرغم أن الواقع الراهن غدا أكبر شاهد على أن هذه الأمة هي أمة الشهود الحضاري الوسطية، وأن فقه الوسطية الإسلامية بما عرف عنه من اعتدال وتوازن هو الذي كتب له النجاح وتلقته الأمة في سوادها الأعظم بالقبول والتسليم إلا أن بعضا من ذلك النبز والثلب ما يزال يردده بعضهم بلا وعي على حين يتسابق المنصفون من أساتذتهم -من الجانب الآخر- إلى تبني فقه الوسطية لا سيما في الجوانب السياسية والدولية، والعلاقة مع الآخر القريب أو البعيد وفقه الجهاد القتالي..إلخ.. نظرا لمستجدات سياسية وأحداث دولية وداخلية وإقليمية جاءت في مجملها نتاج أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة وتداعياتها المتمثلة في انفجارات الرياض والدار البيضاء على وجه الخصوص التمزامنة مع الذكرى الثانية لتلك الأحداث(45).
أما إن تساءلت فبم يتميز هؤلاء إذن فيأتيك الجواب الفوري بالصوت العالي والمبالغة في الفتاوى المعروفة بالتحريم فيما يستأهل ومالا يستأهل، بل إن التخفيف – لدى بعضهم – لا يكون مقبولا إلا حين يتصل الأمر بمطالب السلطات السياسية وتسويغ سياساتها الداخلية أو الخارجية تحت شعار "طاعة أولي الأمر" والرد على الفكر الخارجي.
وبعضهم الآخر يتميز بشذوذات أهل العلم وسقطاتهم تحت شعار تحكيم الكتاب والسنة ومنهج السلف ، وقد يردد – بلا وعي - : " المسألة خلافية" لمجرد ورود قول شاذ في القديم أو الحديث ، ولو طردنا هذه القاعدة لما بقي أحد من أهل الأهواء – بحق – إلا وجد له مستندا من الشرع أيّا كان ضعفه وتهافته ، ولذلك يقول الشوكاني في تعقبه على مقولة العلامة الحسن الجلال حول ضوابط إنكار المنكر: "وأما قول الجلال هاهنا إن المنكر هو ما كان دليله قطعياً بحيث لا خلاف فيه فمن ساقط الكلام وزائفه فإن إنكار المنكر لو كان مقيدا بهذا القيد لبطل هذا الباب وانسد بالمرة، وفعل من شاء ما شاء، إذ لا محرم من محرمات الشريعة في الغالب، إلا وفيه قول لقائل أو شبهة من الشبه"(46).
وليس في هذا أي تعارض مع ما سبق تقريره من أنه لا إنكار في المختلف فيه إذ تم التأكيد هناك أن المقصود بالمختلف فيه اختلافا اجتهاديا سائغا ، وليس أي خلاف ،فثمة خلاف حول بعض مسائل الربا ، والأوراق النقدية، والمتعة، وبعض المسكرات ، ومثل هذا خلاف شاذ ، ولا يعتد به قطعا.
وإن تعجب فعجب أمر من ظل يردد في زهو حينا من الدهر لا قول يعلو نصوص الكتاب والسنة ، ثم تراه اليوم يتكلف ويتمحل الأدلة ليخرج برأي شاذ حول جواز قتل الأبرياء من غير المسلمين هنا أو هناك محاولا لي أعناق النصوص والاستشهاد بقول هذا الفقيه ، أو الشيخ ، أو ذاك، ولو لم يكن مرادهم ما يرمي إليه ، ليخلص إلى استنتاج يبيح له القضاء على المخالف البريء ، من غير المسلمين ، بل حتى وصل الحال إلى المسلمين ، وما أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة ،وكذا أحداث الرياض والدار البيضاء – مثلا- عنا ببعيد.
إذا فلنخلص إلى أن التشدد سمة الضعفاء الجريئين على الفتيا، أما التروي والتثبت وعدم الجزم بالحرمة في كل حين، فسمة الثقات الراسخين، يقول سفيان الثوري: "إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة أما التشدد فيحسنه كل أحد"(47).
ويقول محمد جمال الدين القاسمي في معرض استهجانه هذا المسلك المنحرف في التشنيع على المخالف في مسائل يسوغ فيها الاجتهاد مع التحكم والوقوع في نقيض دعوى المشنع: "غريب أمر المتعصبين، والغلاة الجافين، تراهم سراعا إلى التكفير والتضليل والتفسيق والتبديع ، وإن كان عند التحقيق لا أثر لشيء من ذلك ، إلا ما دعا إليه الحسد، أو حمل عليه الجمود وضعف العلم" (48).
ولو أن كل مفت زين له اجتهاده وراح – من ثم – يكافح في سبيل تنفيذ آرائه وإدانة مخالفيه لحصل من وراء هذا فتنة تقود إلى تخاصم وتباغض وفرقة وهذا دليل عدم كون الإنكار شرعيا أو خالصا للحق أو أن صاحبه مؤمن صادق واع، أو فقيه راشد محقق، يقول الشاطبي:
"وكل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها، ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فاوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة ، علمنا أنها ليست من الدين في شيء، وأنها التي عنى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتفسير قوله تعالى: "الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا" - وقد تقدمت - فيجب على كل ذي دين وعقل أن يجتنبها ، ودليل ذلك قوله تعالى "واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمة إخوانا" فإذا اختلفوا أو تقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى، هذا ما قالوه وهو ظاهر في أن الإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف فكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين"( 49) .
شروط المفتي : يقصد بالمفتي هنا: من يحوز شرائط الاجتهاد المطلق ، وممن نص على الترادف بين المفتي والمجتهد : الشوكاني(50)، والقرضاوي(51) -على سبيل المثال-.
ويعّرف الغزالي الاجتهاد لغة بأنه: "بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال" أما عند أهل الصنعة من الأصوليين فيعرف: "ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة"(52) غير أن الإشكال الذي يواجه الباحث في هذه المسألة هو اختلاف هذه الشروط وتعارضها بين متشدد فيها ومترخص.. ولعل ذلك يرجع إلى الاختلاف في البيئات المكانية تارة، والظروف الزمانية تارة أخرى، ومما يمكن الاستشهاد به في هذا السياق – على سبيل المثال – ما يلي:
نص الإمام أحمد بن حنبل – كما في رواية ابنه صالح – على أنه "ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا، أن يكون عالما بوجوه القرآن، عالما بالأسانيد الصحيحة، عالما بالسنن، وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي-صلى الله عليه وسلم- وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها"(53).
واشترط معرفة المفتي بأقوال من تقدم في المسألة التي يفتي فيها، وإلا فلا يفتي كما في رواية حنبل عنه(54)، كما اشترط حفظ الأحاديث الكثيرة جدا لمن يتصدر للفتوى، ولذلك فقد روى محمد بن عبدالله بن المنادي أنه سمع رجلا يسأل أحمد: إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها؟ قال: لا. قال: فمائتي ألف؟ قال: لا. قال: فثلاثمائة ألف؟ قال: لا. قال: فأربعمائة ألف؟ قال: بيده هكذا وحرك يده"(55).
وعلق القاضي أبو يعلى الحنبلي على ذلك بقوله: "وظاهر من هذا الكلام أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير الذي ذكره. وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتوى"(56).
وحاصل شروط المفتي (المجتهد) عند أحمد خمس خصال(57):
أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له فيه نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور
الثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة
الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته
الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس
الخامسة: معرفة الناس
أما الإمام الشاطبي فيجمل شروط الاجتهاد في صفتين وجه إليها بقوله: "إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها. والثاني: التمكن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها"(58).
ولأن الشاطبي معروف بين الأصوليين بأنه فقيه المقاصد، إذ يوليها من الاهتمام مالا يولي مبحثا آخر من مباحث الأصول العديدة، فقد عدّ الشرط الثاني وهو التمكن من الاستنباط كالخادم للأول، غير أنه عد علم العربية فرض علم تتوقف صحة الاجتهاد عليه. ولا يعني بعلم العربية "النحو وحده ولا التصريف وحده، ولا اللغة، ولا علم المعاني، ولا غير ذلك من أنواع العلوم المتعلقة باللسان. بل المراد جملة علم اللسان: ألفاظ أو معاني كيف تصورت ما عدا علم الغريب والتصريف المسمى بالفعل، وما يتعلق بالشعر من حيث هو شعر كالعروض والقافية؛ فإن هذا غير مفتقر إليه هنا وإن كان العلم به كمالا في العربية" (59).
أما الغزالي فقد اشترط للمجتهد الإحاطة بمدارك الشرع والعدالة الجامعة(60) ثم راح يفصل في معنى الإحاطة بمدارك الشرع بما فحواه، معرفة مقدار خمسمائة آية من القرآن هي آيات الأحكام، ثم أحاديث الأحكام، وتمييز مواقع الإجماع، واعتماد العقل المنافي للحرج في الأقوال أو الأفعال(61).
فهذه أربعة علوم جعلها مرتبطة بأربعة علوم أخرى: اثنان مقدمان، واثنان متممان. أما المقدمان فمعرفة نصب الأدلة وشروطها التي بها تصير البراهين والأدلة منتجة، ومعرفة اللغة والنحو على وجه يتيسر له به فهم خطاب العرب. وهذا يخص فائدة الكتاب والسنة، ومعرفة الرواية بتمييز الصحيح منها عن الفاسد، والمقبول عن المردود. فهذه ثمانية علوم إذاً اشترطها في حق المجتهد المطلق(62) ونحو ذلك تابع الشوكاني(63).
ويورد بعض المعاصرين شروط الأقدمين، وقد يتخيرون منها ما يوافق واقع الحال، وقد يردون بعضه لعدم ملائمته لسبب أو لآخر(64).
وإلى جانب بعض الشروط التقليدية شدد جماعة من العلماء المعاصرين – وقد سبقهم بعض الأقدمين كالغزالي والشاطبي مثلا – على ضرورة تحلي المفتي بأخلاق علمية كالعلم مع العمل، والخشية لله والتقوى، والثبات على الفتوى التي يعتقد أنها حق يقيني ومصيري، حتى لو أغضبت أهل الدنيا، وأصحاب السلطان ابتغاء رضوان الله(65).
وقد قام أحد الباحثين المعاصرين المتخصصين في هذا الميدان (ميدان أصول الفقه) باستقراء الأدوات المؤهلة للنظر الاجتهادي منذ القرن الثاني الهجري إلى القرن الخامس عشر الحالي بما خلاصته(66):
أولا: القرنان الثاني والثالث:
- العلم بأحكام كتاب الله (فرضه وأدبه، وناسخه ومنسوخة، وعامه وخاصة، وإرشاده).
- العلم بالسنة وفرضها وأدبها، وناسخها ومنسوخها، وعامها وخاصها، وإرشادها.
- العلم بأقاويل السلف.
- العلم بإجماع الناس واختلافهم.
- العلم بلسان العرب.
- صحة العقل (التفريق بين المشتبه وعدم التعجل قبل التثبت، والاستماع إلى المخالف، والإنصاف من النفس).
ثانيا: القرن الرابع:
- العلم بطرق الأدلة ومراتبها (وجوهها والفرق بين عقليها وسمعيها).
- العلم بقضايا الخطاب (أصول الفقه، وما يحتمل ومالا يحتمل، ووجوه الاحتمال، والخصوص، والعموم، والمجمل والمفسر، والصريح والفحوى).
- العلم بآيات الأحكام.
- العلم بأحاديث الأحكام وبمطاعن الأخبار المتعلقة بالأحكام.
- العلم بلسان العرب (قدر ما يتوصل به إلى معرفة الكتاب والسنة).
- العلم بمعظم مذاهب السلف.
- التبحر في العلوم.
ثالثا: القرنان الخامس والسادس:
- علم أصول الفقه (العلم بآيات الأحكام وأحاديثها، ومواقع الإجماع والعلم بالنفي الأصلي للأحكام (العقل)، والعلم بنصب الأدلة وشروطها، ومعرفة الناسخ والمنسوخ).
- علم اللغة (معرفة اللغة والنحو).
- علم الحديث (معرفة الرواية).
رابعا: القرنان السابع والثامن:
- العلم بآيات الأحكام (الدرجة الوسطى من هذا العلم).
- العلم بأحاديث الأحكام (الدرجة الوسطى من هذا العلم).
- العلم بلسان العرب (الدرجة الوسطى في اللغة والبلاغة).
- العلم بأصول الفقه (الدرجة الوسطى من هذا العلم).
- معرفة القواعد الفقهية.
- فهم المقاصد الشرعية.
وبعد أن استعرض الباحث المشار إليه آنفا ما سبق من الأدوات عبر القرون السالفة إلى عصرنا الراهن، وذهب إلى أن أدوات النظر الاجتهادي المنشود في هذا العصر هي:
- لغة الوحي (أساسيات النحو والبلاغة وفقه اللغة).
- علم دراية الحديث (مبادئ الجرح والتعديل والتصحيح والتضعيف).
- علم أصول الفقه (أساسيات مباحث الحكم والأدلة والقواعد والاجتهاد).
- علم المقاصد (أساسيات ومبادئ ومسائل ووسائل التقصيد).
- علم الخلاف (أصول ومناهج الاستنباط والاستدلال).
- العلوم الإنسانية والاجتماعية (أساسيات المناهج، وأدوات الرصد، والتحليل والقياس).
وها أنت ذا ترى أن ثمة تفاوتناً بيّناً من عصر لآخر من حيث زيادة الشروط أو التقليل منها، فليس هناك اتفاق تفصيلي على الشروط المؤهلة للاجتهاد، مما يؤكد أن المسألة رهن بالبيئة الزمانية والمكانية ولذلك خلص الباحث السابق إلى جملة من الشروط المؤهلة للاجتهاد، المعاصر، لم تكن معروفة من قبل ولا سيما ما يتعلق منها بالعلوم الإنسانية والاجتماعية التي يعد إغفالها إغفالا لواقع موضوعي جوهري يمثل التغافل عنه قدحا في فتوى المفتي المعاصر خاصة وقد نص بعض علماء السلف على شرط معرفة المفتي أحوال الناس كما مر بنا ذلك عند الإمام أحمد بن حنبل. وهذا الشرط يرادف ما اصطلح عليه اليوم بـ"فقه الواقع"، وعن هذا الشرط يقول ابن القيم: "معرفة الناس فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم فإن لم يكن فقيها في الأمر والنهي، ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم، وعكسه والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصور له الزنديق في صورة الصديق، والكاذب في صورة الصادق، ولبس كل مبطل ثوب وزر تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا بل ينبغي له أن يكون فقيها في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله"(67).
ويؤكد أحد أبرز فقهاء العصر وأصولييه أن علماء الأصول المتأخرين ما يزالون ينزلون على الأمر الواقع فيخففون بعض الشروط التي لا تنسجم وأزمنتهم ليكتفوا ببعضها، ولا يلتزمون بالضرورة بما نص عليه من سبقهم(68).
وقد سبقت الإشارة إلى أن كل حديث الأصوليين منصبّ في هذا السياق على شروط الاجتهاد المطلق، ولذلك فإنه مهما يكن من خلاف قديم أو حديث فهو لا يخرج عن دائرة هذا النوع من الاجتهاد.
الاجتهاد الجزئي:
وثمة نوع آخر من الاجتهاد يعرف بالاجتهاد الجزئي وفيه من التوسعة ما يجعله الأنسب لهذا العصر من حيث سمة التخصص العلمي التي غدت من أهم معالمه.
بل إن أحد الأصوليين المعاصرين يذهب إلى "أن من غير الممكن أو الميسور في عصرنا هذا وجود المجتهد المطلق"(69). معتبرا المجامع العلمية هي البديل للمجتهد المطلق(70). وقد أورد ذلك في معرض محاولة إعادة علم أصول الفقه لوضعه الصحيح بين العلوم الإسلامية.
ومع أن هناك معارضة من بعض الأصوليين القدماء والمحدثين لهذا النوع من الاجتهاد – أي الاجتهاد الجزئي – بيد أنه ضرورة واقعية وعقلية لا محيص عنها ولذلك فقد أيده ثلة من علماء الأصول القدماء والمحدثين فمن القدماء – على سبيل المثال – أبو حامد الغزالي(71) وابن قيم الجوزية(72) والشاطبي(73) وأورد الشوكاني عن الصفي الهندي عزوه هذا المذهب إلى الأكثرين، ونقله الشوكاني عن صاحب النكت، وعن أبي علي الجبائي، وأبي عبدالله البصري، وأنه اختيار ابن دقيق العيد(74) ومن القائلين به كذلك بعض المالكية، وبعض الحنابلة، وهو رأي الظاهرية أيضا(75).
أما من المعاصرين فذهب إليه أبو زهرة ضمنا(76) وصرح به القرضاوي(77) مؤكداً أنه القول الراجح عند الأكثرين(78).
ولابد من الإشارة في هذا السياق إلى أن مقصودهم بالاجتهاد الجزئي: استفراغ وسع الباحث في أي مجال من مجالات البحث والدراسة الشرعية المباشرة، أو غير المباشرة مما له علاقة بوجه من الوجوه أو بعدة وجوه بالأحكام الشرعية ومقاصدها، وذلك كجملة مباحث لعلوم التربوية والنفسية والاجتماعية فيأتي الباحث المجتهد اجتهادا جزئيا إلى مسألة من تلك المسائل -دون أن يكون مجتهدا بالضرورة في غيرها- فيسبر غور المسألة محل البحث من شتى الوجوه، ليستخلص في النهاية الحكم الشرعي فيها، بعد أن يكون استوفى المؤهلات العامة للاجتهاد في هذا العصر، إذ ليس خالي الوفاض من الأدوات الاجتهادية بالكلية، وإن كان لا يمتلك بطبيعة الحال الشروط التفصيلية التي نص عليها الأصوليون عادة عند حديثهم عن الاجتهاد ومؤهلاته في مبحث الاجتهاد والتقليد أو الفتوى وشروطها في كتبهم.
ولعل من أبرز الشواهد الحية على سلامة هذا الاتجاه: التطبيقات العملية لجملة المسائل الاجتهادية المستجدة التي تواجه الباحثين في مجالات: الاقتصاد والتربية والاجتماع وعلم النفس بما يعرف – بعد إضفاء الصبغة الشرعية عليه – بـ"الإسلامي" دون أن يعني ذلك بالضرورة صبغه بأحكام الحل والحرمة ولا سيما في مجالات التربية والفلسفة والاجتماع والنفس ولكن المقصود – في جانب كبير منه – إخضاعه للروح الإسلامية العامة، وضبطه بمقاصد التشريع وضرورات الدين.
تصورات على طريق الحل
بعد كل ما مر بنا من إدراك لأهمية الفتوى، وخطورة موقع المفتي، وحكم فتواه، وضوابط الاجتهاد (الإفتاء)؛ فلابد من تقديم وجهة نظر تسهم في إعادة الاعتبار لمكانة الفتوى الشرعية، لتحتل موقعها الطبيعي، بعيدا عن طرفي الإفراط والتفريط، أو الغلو والتقصير، وعلى ذلك فلا بأس من إدراك جوانب تحقق للفتوى المعاصرة أهدافها المرجوة، وتزيل عنها بعض ما ران عليها من ملابسات العصور، وعجز بعض المنتسبين إلى العلم الشريف من تجاوز ذلك، نظرا لغلبة الموروث، وإضفاء حكم القداسة عليه، ولو كان اجتهاداً بشرياً نابعا من بيئة المفتي وزمانه، وإما لغلبة الفتن والمشكلات المحيطة من أعداء الإسلام الخارجيين وأتباعهم في الداخل. مع التأكيد هنا على أن هذه التصورات مجرد رؤى اجتهادية لباحث مهموم بقضايا الفكر الإسلامي وتحدياته. أما الأصل فهو أن تتضافر جهود أهل الاختصاص الأصليين للبحث والنظر في سبل المعالجة، على غرار صنيع العلامة الإمام يوسف القرضاوي في كتابيه (الفتوى بين الانضباط والتسيب) و(الاجتهاد في الشريعة الإسلامية) وجملة آرائه وفتاواه العملية لا سيما في كتابه (فتاوى معاصرة) بجزئيه. لقد قام القرضاوي بتنظير منهج متميز للفتوى المعاصرة مجسدا لذلك في فتاواه المقروءة والمسموعة.
أما صاحب هذه الدراسة فحسبه التوصية بما يلي:
أولاً:
إعادة النظر في شروط المجتهد المطلق التي درج عليها بعض علماء السلف. وما قدمه أحد الباحثين الذين تمت الإشارة إلى رؤيته للاجتهاد المعاصر وشروطه – بعد أن طوف بأهم الأدوات الاجتهادية عبر التاريخ الإسلامي – وجهة قويمة قمينة بالبناء عليها وتسديدها، إذ هي ليست نهائية وحاسمة بطبيعة الحال.
وما يدفعنا إلى تقديم مقترح يقضي بإعادة النظر في شروط المجتهد المطلق ليس الجدل الذي يحتدم اليوم بين ذوي الاختصاص والاهتمام حول إمكان وجوده في هذا العصر من تعذر ذلك بقدر ما في إعادة النظر هذه من عامل شحذ لهمم الباحثين المتخصصين ليتبوءوا هذه المنزلة إذا كان ثمة منطق معاصر فيها.
أما القول باستحالة توافر هذا المجتهد في هذا العصر فهو منطق يقف على الطرف الآخر للقول بضرورة الاستمساك بشروط الاجتهاد المطلق كما نص عليها السابقون، مع ما بينهم من خلاف تمت الإشارة إلى جوهره.
ولكن كلا طرفي قصد الأمور ذميم. فأياً ما يكن لهذا القول النافي إمكان توافر تلك الشروط في المجتهد المطلق المعاصر من وجاهة من بعض الوجوه؛ فإن منزلقه الأكبر يكمن في أن من مقتضيات الإيمان به: خلق ضعف الهمة، وفتور العزيمة، لدى أهل الاختصاص، بدل التنافس الجاد لنيل شرف تلك المرتبة السامقة. ولكن لما كان في القول بضرورة توافر تلك الشروط من جهة، واستحالة قيام اجتهاد معاصر وفقا لها من الجهة المقابلة، تطرفا متبايناً؛ فإن المذهب الوسط يقضي بضرورة التخفيف من تلك الشروط، ليتمكن الاتجاه العام من الباحثين المتخصصين من المضي في طريق الاجتهاد، وتطبيقها عمليا، ثم إن حدث وأن توافرت في أحدهم من تنطبق عليه شروط علماء السلف أو بعضهم؛ فذلك مزيد من التبريز والتنافس المحمود "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" (المطففين الآية: 26).
ثانياً:
إدراج شرطي التزكية والتوعية على رأس قائمة الشروط ورسم منهج عملي لهما ليتأهل في ضوئها أهل الاختصاص. ومع أن هذين الشرطين ليسا جديدين في جوهرهما، إذ نص عليهما غير واحد من أئمة العلم ومجتهديه قديما وحديثا – كما تقدم – بيد أن الجديد فيهما: اشتراط ذلك في المفتي أثناء مرحلة الطلب والتأهيل ابتداءً، على حين أنه كان لدى السابقين عند التصدي لممارسة الفتوى عمليا أي بعد التأهيل. ولعل هذا يكشف لنا جانبا من حكمة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حين قال: "تفقهوا قبل أن تسودوا"(79)، ومعلوم أن درجة الإفتاء – ولا سيما الرسمي منها – مرتبة عليا من مراتب السيادة.
ولا ريب أن التربية على منهج تزكوي عميق من حيث اختيار المقرر، أو الشيخ سيسهم إلى حد كبير في تخليد معاني التزكية من حيث تحقيق الخشية من الله، واتقاء التقول عليه بلا علم، أو الوقوع في اغتياب الخلق، أو الجر إلى فتنة، أو اتهام أبرياء، أو تكليفهم بما لم يكلفهم به الله ورسوله يقيناً.
وكذا فإن إدراك المفتي لما يدور في بيئته من أنماط للسلوك الفردي والجماعي، وإلمامه الجيد بجملة التطورات في عالم التقنية، وما توصلت إليه بعض الأبحاث والدراسات الخارقة للمألوف في عالمي الآفاق والأنفس ولاسيما في عصر المعلوماتية بشتى مفرداتها بل وتعامله الشخصي مع ما لابدّ منه، جميع ذلك يمثل ضرورة معاصرة للمفتي المؤهل. وكم من فتاوى غريبة معيبة آفتها الجهل بالعصر وتطوراته من شتى النواحي أو بعضها آلت إلى فساد اجتماعي عريض. وهنا ينصح المفتي بالاستئناس بكتاب الإمام القرضاوي (ثقافة الداعية)
ثالثاً:
إيلاء الاجتهاد الجزئي الأهمية التي يستحقها في هذا العصر، وإعلاء شأنه، والتركيز عليه. ومهما قيل من تحفظ بعض العلماء القدماء أو المحدثين على هذا النوع من الاجتهاد فإنه الأقرب إلى منطق العصر، ونفس المرحلة. ومن غير المقبول ولا المعقول أن يطالب أساتذة الاقتصاد أو التربية أو الاجتماع أو النفس ونحوهم بحيازة شروط الاجتهاد المطلق إذا ما راموا أسلمة تخصصاتهم، أو صبغ دراساتهم وأبحاثهم بالصبغة الشرعية. ومعلوم تغير الفتوى واختلافها بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد "فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد"(80)، هذا مع عدم إغفال الحد الأدنى من الشروط الفنية والمؤهلات العلمية المتعلقة بعلوم الآلة، من لغة وحديث، وأصول.. الخ
رابعاً:
إحياء فكرة الاجتهاد الجماعي وتطويرها، وخاصة في قضايا الشأن العام مثل: التكفير، ومسائل الدماء، والسلام مع اليهود الصهاينة، والعمليات الاستشهادية، والموقف من بعض الآراء والسلوكيات التي تبدو في ظاهرها سبباً في الحكم على أصحابها بالخروج من الملة، وكذا الموقف من مجلس الحكم الحالي في العراق، والتعامل المصرفي بالأوراق النقدية، وكيفية التعامل مع بعض التقنيات والاكتشافات في عالم المعلوماتية والاتصال والإعلام مثل: شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) والإرسال الفضائي، الذي يطغى عليه طابع الهدم الفكري والأخلاقي، مع توافر فوائد جمة علمية وتربوية وسياسية واجتماعية وغيرها في ثنايا ذلك، والموقف كذلك من بعض المسائل الطبية مثل: زراعة الأعضاء، وبنوك الأجنة، والاستنساخ.
وثمة قضايا عامة على المستوى القُطري، أو على مستوى بعض المؤسسات الإسلامية، في إطار البلد الواحد وهذه وإن لم تكن من جنس قضايا الشأن العام المشار إلى أبرزها، غير أنها تنضوي في إطار الاجتهاد الجماعي بما يتناسب وحجمها القطري أو المحلي..
أما من هي الجهات التي تتولى قيادة الاجتهاد الجماعي المنشود، فإنها تتخذ أشكالاً عدة. فقضايا الشأن العام تلك التي لا تختص ببلد معين فالأمر فيها إلى المجامع الفقهية الكبرى، مثل مجمع الفقه الإسلامي على مستوى العالم الإسلامي. أما القضايا العامة في إطار القطر الواحد، أو في إطار بعض المؤسسات الإسلامية داخله فالأمر فيها إلى المجامع الفقهية على المستوى القطري، أو اللجان الداخلية لدى المؤسسات الإسلامية كلجان الفتوى الشرعية والرقابة الشرعية ونحوهما. ومع ما في هذه الصيغ –ولاسيما المجامع الفقهية الكبرى- بشكلها الحالي من أوجه قصور، يتداخل فيها العامل السياسي غالباً بالعامل الاجتماعي والتربوي والبيئي؛ ولكن يمكن أن تطور –إذا صدقت النوايا- بما يجنبها إلى أقصى حدّ هيمنة الأنظمة السياسية، والتأثر السلبي بالبيئة الاجتماعية والتربوية الخاصة. أما بالنسبة للمجامع القطرية، أو اللجان الداخلية لدى بعض المؤسسات الإسلامية فينص على أن فتاواها لا تتجاوز محيطها البيئي المكاني أو الزماني في القضايا الداخلية الخاصة التي تنشأ داخل مجتمعاتها، بخلاف القضايا العامة، التي تشترك فيها مع العالم الإسلامي، بوصف تلك القضايا غير قطرية أو محلية. وهذا التمييز بين الحالتين أمر مشروع نابع من فقه الواقع المشار إليه فيما تقدم.
وأخيراً فإن لكاتب هذه السطور رجاء أن يتولى ساداتنا علماء الشريعة تسديد هذه الأفكار وتقويمها بالتي هي أحسن، لعل الله يجعل فيها مادة تسهم في إرجاع الأمور إلى طبيعتها الواقعة حالياً في جملتها بين طرفي الإفراط والتفريط. وبالله التوفيق
.وبعدأن أختتم الدكتورالدغشي محاضرتة فتح باب النقاش والمداخلات من قبل الحاضرين أجمعت كلها لاهمية الموضوع وثناء على الدراسة والبحث الذي قدم كونة أتسم بكل الشروط العلمية لاطروحات البحث العلمي واشاد المتداخلون بأن الباحث التزم بشروط البحث العلمي دون تحيزأوتعصب حضرهذة الفعالية الباحث والمفكرالسوداني/الشيخ الطيب بشيرومستشارالسفارة المغربية بصنعاء الاستاذ/نورالدين العماري وعددمن الباحثين والمهتمين
|